محمود توفيق محمد سعد
292
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وإذا ما نظرنا في مدلول مفردات هذ المادة في القرآن الكريم رأينا الغالب عليها أيضا ذلك المعنى مما يؤكد أنها تصطفى لإبرازه في السياق الذي ترد فيه ( النمل : 18 ، الزمر : 21 ، الواقعة : 65 ، الحديد : 20 ) وكانت إشارة " الحرالي " التي نقلها عنه " البقاعي " في شأن أسماء " النار " ومواقع البيان بكلّ اسم في القرآن الكريم إشارة ماجدة حاملة كثيرا من لطيف المعاني ، وهذا يلفت نظرنا إلى أهمية الوقوف عند البيان بأسماء الجزاء على الطاعات والمعاصي وعلاقة ذلك بكل ما يقابله من كسب العباد إن خيرا وإن شرا ، وفي هذا بيان من اللّه عزّ وجلّ لعباده أن جزاءهم من جنس أعمالهم ، فعلى العبد أن يتخير الجزاء الذي يريد . وهذا يبرز عظيم مسؤولية العبد على ما كسبت يداه . ويضاف إلى الذي مضى من تناسب مدلول المادة للسياق ما أحدثه ذلك الاصطفاء من تناسب نغميّ بين : " همزة ، لمزة ، حطمة " وهذا التناغم ذو فاعلية في إبراز المعاني وتصويرها والبقاعي كما رأيت ذو قدرة على إدراك منزلة اصطفاء الكلمات لمدلول مادتها المستحضر في قلب المتلقي الواقع الذي يثقف القرآن الكريم بإيقاعه في القلوب النفس الإنسانية ، فتنفر من تلك الأفاعيل البغيضة فرار من ذلك الجزاء المهين ، ولتعلم أن كل متكبر جبار سيلقى في الآخرة من الهوان ما يضارع تكبره وتجبره . ولو أننا وضعنا كلمة " يطرحنّ " موضع " ينبذن " في غير القرآن الكريم وكلمة " النار " موضع " الحطمة " لنبا بذلك السياق ، ولافتقر البيان إلى كثير مما يؤدي ما هو مسوق إليه . * * * يصطفي القرآن الكريم كلمة في سياق يصوّر بها ما يضطرم في خبايا قوم يحكي عنهم مقالهم ، فتكون الكلمة بما تصوره في سياقها الفاضحة لهم ، يقول اللّه سبحانه وتعالى حاكيا مقال المنافقين في سورة " الأحزاب " : وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً ( الأحزاب : 13 )